كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} التَّوَفِّي أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا أَيْ تَامًّا كَامِلًا، وَيُقَابِلُهُ التَّوْفِيَةُ وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ تَامًّا كَامِلًا، يُقَالُ وَفَّاهُ حَقَّهُ فَتَوَفَّاهُ مِنْهُ وَاسْتَوْفَاهُ، ومنه: {وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [24: 39] وَيُقَالُ تَوَفَّاهُ وَاسْتَوْفَاهُ بِمَعْنَى أَحْصَى عَدَدَهُ، نَطَقَتِ الْعَرَبُ بِالْمَعْنَيَيْنِ، وَأُطْلِقَ التَّوَفِّي عَلَى الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ تُقْبَضُ وَتُؤْخَذُ أَخْذًا تَامًّا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهَا تَصَرُّفٌ فِي الْأَبْدَانِ، وَأُطْلِقَ عَلَى النَّوْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي آيَةِ الزُّمَرِ الَّتِي نَذْكُرُهَا قَرِيبًا، فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّهُ إِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى تَشْبِيهِ النَّوْمِ بِالْمَوْتِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي زَوَالِ إِحْسَاسِ الْحَوَاسِّ وَالتَّمْيِيزِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ اسْتِعَارَةً عَنِ النَّوْمِ بِنَاءً عَلَى جَعْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْمَوْتِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ لَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ؛ يَقُولُونَ تُوُفِّيَ فُلَانٌ- بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ- بِمَعْنَى مَاتَ، وَتَوَفَّاهُ اللهُ بِمَعْنَى أَمَاتَهُ، وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتِ التَّوَفِّي فِي الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالٌ إِسْلَامِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَوْتِ، يَحْصُلُ بِقَبْضِ الْأَنْفُسِ الَّتِي تَحْيَا بِهَا النَّاسُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمَرِ: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [39: 42] فَهَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ فِي كَوْنِ التَّوَفِّي أَعَمَّ مِنَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادِفًا لَهُ، فَقَدْ صَرَّحَتْ بِأَنَّ الْأَنْفُسَ الَّتِي تُتَوَفَّى فِي مَنَامِهَا غَيْرُ مَيِّتَةٍ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} مَعْنَاهُ يَتَوَفَّى أَنْفُسَكُمْ فِي حَالَةِ نَوْمِكُمْ بِاللَّيْلِ، وَمِثْلُهُ النَّوْمُ فِي النَّهَارِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْفِطْرَةِ وَالْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَكُونَ النَّوْمُ فِيهِ، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي النَّهَارِ. أُطْلِقَ التَّوَفِّي فِي الْمَنَامِ عَلَى إِزَالَةِ الْإِحْسَاسِ وَالْمَنْعِ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَنْفُسِ فِي الْأَبْدَانِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنَّ بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْغَرْبِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَرَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ نَفْسَيْنِ، تُفَارِقُهُ إِحْدَاهُمَا عِنْدَ النَّوْمِ، وَتُفَارِقُهُ كِلْتَاهُمَا بِالْمَوْتِ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا يَكُونُ التَّوَفِّي حَقِيقَةً فِي الْمَنَامِ وَفِي الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَحْصُلُ بِقْبِضٍ غَيْرِ تَامٍّ لِأَحَدِ النَّفْسَيْنِ، وَالثَّانِي بِقَبْضٍ تَامٍّ لِكِلْتَيْهِمَا، وَهُوَ يُوَافِقُ ظَاهِرَ آيَةِ الزُّمَرِ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} الْجَرْحُ: يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ بِالْجَوَارِحِ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْعَامِلَةُ، وَبِمَعْنَى التَّأْثِيرِ الدَّامِي مِنَ السِّلَاحِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْبَرَاثِنِ وَالْأَظْفَارِ وَالْأَنْيَابِ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ. قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالْأَوَّلُ مَجَازٌ، وَإِنَّ عَوَامِلَ الْإِنْسَانِ مَا سُمِّيَتْ جَوَارِحَ إِلَّا تَشْبِيهًا لَهَا بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ، وَإِنَّ هَذِهِ مَا سُمِّيَتْ جَوَارِحَ إِلَّا لِأَنَّهَا تَجْرَحُ مَا تَصِيدُهُ وَمَا تَفْتَرِسُهُ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْجُرْحَ حَقِيقَةً فِي الْكَسْبِ، وَأَنَّ جَوَارِحَ الصَّيْدِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَسْبِهَا لِنَفْسِهَا أَوْ لِمُعَلِّمِهَا الَّذِي يَصِيدُ بِهَا، وَأَنَّ الْخَيْلَ وَالْأَنْعَامَ الْمُنْتِجَةَ تُسَمَّى جَوَارِحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نِتَاجَهَا كَسْبُهَا، فَالْجُرْحُ كَالْكَسْبِ، يُطْلَقُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْهُ. نَقَلَ ذَلِكَ اللِّسَانُ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهُ فِعْلُ الشَّرِّ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَ الْآيَةَ فِي الْكَشَّافِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ الِاجْتِرَاحُ بِمَعْنَى فِعْلِ الشَّرِّ خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجَاثِيَةِ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [45: 21]- الْآيَةَ- وَلَمْ يُذْكَرِ الْجَرْحُ وَالِاجْتِرَاحُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ. وَقَدْ يَكُونُ التَّخْصِيصُ بِعَمَلِ السَّيِّئَاتِ لِصِيغَةِ الِافْتِعَالِ كَمَا وَرَدَ كَثِيرًا فِي الِاكْتِسَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِي ذَلِكَ، فَكُلٌّ مِنَ الْكَسْبِ وَالِاكْتِسَابِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} يَعْلَمُ جَمِيعَ عَمَلِكُمْ وَكَسْبِكُمْ فِي وَقْتِ الْيَقَظَةِ الَّذِي يَكُونُ مُعْظَمُهُ فِي النَّهَارِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، قِيلَ: إِنَّ الْمَاضِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ: وَيَعْلَمُ مَا تَجْرَحُونَهُ فِي النَّهَارِ الَّذِي يَلِي اللَّيْلَ، عَبَّرَ بِهِ لِتُحَقِّقِ وُقُوعِهِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى أَصْلِهِ وَيُرَادُ بِهِ النَّهَارُ السَّابِقُ عَلَى اللَّيْلِ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ فِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ يَتَوَفَّاكُمْ فِي جِنْسِ اللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ فِي جِنْسِ النَّهَارِ.
{ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أَيْ: ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ تَوَفِّيكُمْ بِالنَّوْمِ يُثِيرُكُمْ وَيُرْسِلُكُمْ مِنْهُ فِي النَّهَارِ، فَالْبَعْثُ- كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ- إِثَارَةُ الشَّيْءِ وَتَوْجِيهُهُ، يُقَالُ بَعَثْتُ الْبَعِيرَ أَيْ أَثَرْتُهُ مِنْ بَرْكِهِ وَسِيرَتِهِ. فَإِطْلَاقُ الْبَعْثِ عَلَى الْإِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وَمَنْ جَعَلَهُ مَجَازًا نَظَرَ إِلَى الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ قِيلَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ بِالنَّهَارِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ فِيهِ، فَمَا نُكْتَةُ هَذَا التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْآيَةِ؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِ الْبَعْثِ لِأَجْلِ أَنْ تَتَّصِلَ بِهِ عِلَّتُهُ الْمَقْصُودَةُ بِالذِّكْرِ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى} إِلَخْ أَنْ يُوقِظَكُمْ وَيُرْسِلَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ لِأَجْلِ أَنْ يُقْضَى وَيَنْفُذَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى فِي عِلْمِهِ تَعَالَى لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْكُمْ، فَإِنَّ لِأَعْمَارِكُمْ آجَالًا مَقْدِرَةً مَكْتُوبَةً لابد مِنْ قَضَائِهَا وَإِتْمَامِهَا {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} ثُمَّ إِلَيْهِ وَحْدَهُ يَكُونُ رُجُوعُكُمْ إِذَا انْتَهَتْ آجَالُكُمْ وَمُتُّمْ {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} إِذْ يَبْعَثُكُمْ مِنْ مَرَاقِدِ الْمَوْتِ كَمَا كَانَ يَبْعَثُكُمْ مِنْ مَضَاجِعِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا فَيُذَكِّرُكُمْ بِهَا، وَيُحَاسِبُكُمْ عَلَيْهَا، وَيَجْزِيكُمْ بِهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْبَعْثِ مِنْ تَوَفِّي النَّوْمِ قَادِرٌ عَلَى الْبَعْثِ مِنْ تَوَفِّي الْمَوْتِ.
وَقَدْ خَالَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْجُمْهُورَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، فَجَعَلَهَا خِطَابًا لِلْكُفَّارِ خَاصَّةً، إِذْ جَعَلَ الْجُرْحَ خَاصًّا بِعَمَلِ السُّوءِ، وَجَعَلَ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِ تَوَفِّيهِمْ فِي اللَّيْلِ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ مُنْسَدِحِينَ فِيهِ كَالْجِيَفِ، وَمِنَ الْجُرْحِ بِالنَّهَارِ: عَمَلُ الْآثَامِ فِيهِ. وَجَعَلَ الْبَعْثَ عَلَى مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وفِي لِلتَّعْلِيلِ أَوِ الشَّأْنِ كَحَدِيثِ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ. وَقَالَ فِي بَيَانِ هَذَا: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ مِنَ الْقُبُورِ فِي شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أَعْمَارَكُمْ مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وَكَسْبِ الْآثَامِ بِالنَّهَارِ وَمِنْ أَجْلِهِ، كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتِنِي؟ فَأَقُولُ: فِي أَمْرِ كَذَا. وَفَسَّرَ الْأَجَلَ الْمُسَمَّى بِمَا ضَرَبَهُ اللهُ لِبَعْثِ الْمَوْتَى وَجَزَائِهِمْ، وَالْمَرْجِعَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، وَفِيهِ تَكَلُّفٌ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا نَصٌّ فِي نُزُولِ الْآيَةِ فِي الْكَفَّارِ وَحْدَهُمْ وَكَوْنِ الْجُرْحِ بِمَعْنَى فِعْلِ الْآثَامِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَثْبُتُ.
وَفِي ذِكْرِ الْأَجَلِ الْمُسَمَّى فِي الْآيَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لِأَجْلِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ تَأْيِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكْمَةِ تَأْخِيرِ مَا كَانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنْ وَعِيدِ اللهِ لَهُمْ، وَوَعِيدِهِ لِرَسُولِهِ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وَبَيَانُ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَرَاءَ مَا أُنْذِرُوا مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الْأَوَّلُ لِمَوْتِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ لَمْ يُفْلِتْ مِنَ الْآخَرِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْإِجْمَالِ فِي الْمَوْتِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ مُبْتَدِئًا ذَلِكَ بِذِكْرِ قَهْرِهِ لِعِبَادِهِ، وَاسْتِعْلَائِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِرْسَالِهِ الْحَفَظَةَ لِإِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتِهَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} بَيَّنَّا مَعْنَى الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى بِنَصِّهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَكَلِمَةُ {فَوْقَ} تُسْتَعْمَلُ- كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ- فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالْجِسْمِ وَالْعَدَدِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَذَلِكَ أَضْرُبٌ ضَرَبَ لَهَا الرَّاغِبُ الْأَمْثِلَةَ، فَ {فَوْقَ} الْعُلْوِيَّةُ يُقَابِلُهُ تَحْتُ، وفَوْقَ الصُّعُودِ يُقَابِلُهُ فِي الْحُدُودِ الْأَسْفَلُ، وفَوْقَ الْعَدَدِ يُقَابِلُهُ الْقَلِيلُ أَوِ الْأَقَلُّ مِنْهُ، وفَوْقَ الْحَجْمِ يُقَابِلُهُ الصَّغِيرُ أَوِ الْأَصْغَرُ مِنْهُ، وفَوْقَ الْمَنْزِلَةِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَضِيلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [43: 32] {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [2: 212] وَبِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [7: 127] وَبِهِ فَسَّرُوا هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا قَبْلَهَا.
وَأَمَّا إِرْسَالُ الْحَفَظَةِ عَلَى النَّاسِ فَمَعْنَاهُ إِرْسَالُهُمْ مُرَاقِبِينَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ- كَمُرَاقَبَةِ رِجَالِ الْبُولِيسِ السِّرِّيِّ فِي حُكُومَاتِ عَصْرِنَا- مُحْصِينَ لِأَعْمَالِهِمْ بِكِتَابَتِهَا وَحِفْظِهَا فِي الصُّحُفِ الَّتِي تُنْشَرُ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [81: 10] وَهَؤُلَاءِ الْحَفَظَةُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لِحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [82: 10- 12] وَلَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ اللهِ وَلَا كَلَامِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بَيَانٌ تَفْصِيلِيٌّ لِصِفَةِ هَذِهِ الْكِتَابَةِ، فَنُؤْمِنُ بِهَا كَمَا نُؤْمِنُ بِكِتَابَةِ اللهِ تَعَالَى لِمَقَادِيرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا نَتَحَكَّمُ فِيهَا بِآرَائِنَا، وَأَمْثَلُ مَا أُوِّلَتْ بِهِ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ فِي النَّفْسِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَفَظَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ غَيْرُ الْكَاتِبِينَ لِلْأَعْمَالِ، وَهُمُ الْمُعَقِّبَاتُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ الرَّعْدِ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} [13: 11] قِيلَ: إِنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ ضَرَرٍ يَكُونُ عُرْضَةً لَهُ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا أَنْ يُصِيبَهُ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ تَخَلَّوْا عَنْهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَدُّ بِهِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى لِأَهْلِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ؛ مِنْهَا أَنَّهَا خَاصَّةً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ أَرَادَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَتْلَهُ، عَلَى أَنْ يُلْهِيَهُ الثَّانِي بِالْحَدِيثِ فَيَقْتُلُهُ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى السَّيْفِ يَبِسَتْ عَلَى قَائِمَتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلَّهُ. وَمِنْهَا أَنَّهَا فِي الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهَا فِي الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْحَرَسَ الْجَلَاوِزَةَ يَحْفَظُونَهُمْ مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: الْمُلُوكُ يَتَّخِذُونَ الْحَرَسَ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْقَتْلِ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا} [13: 11] لَمْ يُغْنِ الْحَرَسُ عَنْهُ شَيْئًا. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ قَوْلَهُ تَعَالَى قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} [10، 11] الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَرْفُوعًا: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ يَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» وَرُوِيَ بِلَفْظِ: «وَالْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ» بِوَاوٍ وَبِغَيْرِ وَاوٍ، لَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الرَّعْدِ، فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ هُمُ الْحَفَظَةُ الْكَاتِبِينَ فَلَا مَحَلَّ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَجَدُّدِهِمْ وَتُعَاقُبِهِمْ.
وَذَكَرُوا مِنَ الْحِكْمَةِ فِي كِتَابَةِ الْأَعْمَالِ وَحِفْظِهَا عَلَى الْعَامِلِينَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ أَعْمَالَهُ تُحْفَظُ عَلَيْهِ وَتُعْرَضُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، كَانَ ذَلِكَ أَزْجَرَ لَهُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَأَبْعَثَ لَهُ عَلَى الْتِزَامِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَقَامِ الْعِلْمِ الرَّاسِخِ الَّذِي يُثْمِرُ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَعْرِفَةَ الْكَامِلَةَ الَّتِي تُثْمِرُ الْحَيَاءَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَالْمُرَاقَبَةَ لَهُ، يَغْلِبُ عَلَيْهَا الْغُرُورُ بِالْكَرَمِ الْإِلَهِيِّ وَالرَّجَاءِ فِي مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ تَعَالَى، فَلَا يَكُونُ لَدَيْهِمْ مِنْ خَشْيَتِهِ وَالْحَيَاءِ مِنْهُ مَا يَزْجُرُهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ كَمَا يَزْجُرُهُمْ تَوَقُّعُ الْفَضِيحَةِ فِي مَوْقِفِ الْحِسَابِ عَلَى أَعْيُنِ الْخَلَائِقِ وَأَسْمَاعِهِمْ، وَزَادَ الرَّازِيُّ احْتِمَالَ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهَا أَنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصُّحُفُ؛ لِأَنَّ وَزْنَهَا مُمْكِنٌ وَوَزْنُ الْأَعْمَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ،- كَذَا قَالَ. وَهُوَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ، بَلْ لَا قِيمَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَشْبِيهِ وَزْنِ اللهِ لِلْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِوَزْنِ الْبَشَرِ لِلْأَثْقَالِ الْجِسْمِيَّةِ.
وَأَمَّا بَيَانُ هَذِهِ الْحِكْمَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي جَرَيْنَا عَلَيْهَا فِي بَيَانِ حِكْمَةِ مَقَادِيرِ الْخَلْقِ فَتُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ هُنَالِكَ، وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُونَ إِنَّ الْمُرَادَ بِكِتَابَةِ الْأَعْمَالِ حِفْظُ صُوَرِهَا وَآثَارِهَا فِي النَّفْسِ، فَهِيَ أَنَّهَا تَكُونُ الْمَظْهَرَ الْأَتَمَّ الْأَجْلَى لِحُجَّةِ اللهِ الْبَالِغَةِ، فَإِذَا وُضِعَ كِتَابُ كُلِّ أَحَدٍ يَوْمَ الْحِسَابِ وَنُشِرَتْ صُحُفُهُ الْمَطْوِيَّةُ فِي سَرِيرَةِ نَفْسِهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالَهُ فِيهَا بِصُوَرِهَا وَمَعَانِيهَا فَتَتَمَثَّلُ لِذَاكِرَتِهِ وَلِحِسِّهِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَمَا عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهَا الْحِسِّيَّةِ وَلَا الْمَعْنَوِيَّةِ- كَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ- فَيَكُونُ حَسِيبًا عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى عَيْنِ الْيَقِينِ مِنْ عَدْلِ اللهِ وَفَضْلِهِ: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [17: 13، 14]. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [18: 49].
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} قَرَأَ حَمْزَةُ {تَوَفَّاهُ} بِأَلِفٍ مُمَالَةٍ بَعْدَ الْفَاءِ، وَالْبَاقُونَ {تَوَفَّتْهُ} بِالتَّاءِ بَعْدَ الْفَاءِ، وَرَسْمُهُمَا فِي مُصْحَفِ الْإِمَامِ وَاحِدٌ هَكَذَا {تَوَفَّتْهُ} لِأَنَّ الْأَلْفَ رُسِمَتْ يَاءً كَأَصْلِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُرَاقِبُونَكُمْ وَيُحْصُونَ عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ مُدَّةَ حَيَاتِكُمْ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وَانْتَهَى عَمَلُهُ تَوَفَّتْهُ أَيْ فَبَضَتْ رُوحَهُ رُسُلُنَا الْمُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ هُمْ أَعْوَانُ مَلَكِ الْمَوْتِ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [32: 11] فَالْأَرْوَاحُ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ، لِكُلٍّ مِنْهَا مُسْتَقَرٌّ فِي الْبَرْزَخِ يَلِيقُ بِهِ، وَلِلْمَوْتِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ، لِكُلٍّ مِنْهَا سُنَنٌ وَنِظَامٌ فِي الْحَيَاةِ خَاصٌّ بِهِ فَقَبْضُ الْأُلُوفِ مِنَ الْأَرْوَاحِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَوَضْعُهَا فِي الْمَوَاضِعِ اللَّائِقَةِ بِهَا عَمَلٌ عَظِيمٌ وَاسِعُ النِّطَاقِ، يَقُومُ بِإِدَارَتِهِ وَنِظَامِهِ رُسُلٌ كَثِيرُونَ وَكُلُّ عَمَلٍ مُنَظَّمٍ لابد أَنْ تَكُونَ لَهُ جِهَةً وَاحِدَةً هِيَ مَكَانُ الرِّيَاسَةِ وَالنِّظَامِ مِنْهُ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَلَكِ الْمَوْتِ، أَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ؟ قَالَ: هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ الْأَرْوَاحِ، وَلَهُ أَعْوَانٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَرَأَ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: غَيْرَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ هُوَ الرَّئِيسُ إِلَخْ. وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّ الْأَعْوَانَ يَقْبِضُونَ الْأَرْوَاحَ مِنَ الْأَبْدَانِ ثُمَّ يَدْفَعُونَهَا إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَوَفٍّ، وَعَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْقَبْضَ بِنَفْسِهِ وَيَدْفَعُهَا إِلَى الْأَعْوَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُؤْمِنًا دَفَعَهَا إِلَى مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا دَفَعَهَا إِلَى مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، أَيْ وَهُمْ يَذْهَبُونَ بِالْأَرْوَاحِ إِلَى حَيْثُ يُوَجِّهُهُمْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى.
وَقَدْ أُسْنِدَ التَّوَفِّيَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الزُّمَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ (ص 399) إِمَّا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْآمِرُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ وَلِأَعْوَانِهِ جَمِيعًا بِذَلِكَ- وَهُوَ مَا صَرَّحُوا بِهِ- وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمُسَخِّرُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ، فَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، وَبِتَسْخِيرِهِ يَتَصَرَّفُونَ، لَا يَعْتَدُونَ فِي تَنْفِيذِ إِرَادَتِهِ وَلَا يُفَرِّطُونَ، وَالتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ بِنَحْوِ التَّوَانِي وَالتَّأْخِيرِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [38] وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ {يُفْرِطُونَ} مِنَ الْإِفْرَاطِ الْمُقَابِلِ لِلتَّفْرِيطِ، أَيْ لَا يَتَجَاوَزُونَ وَلَا يَعْتَدُونَ فِيهِ، وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ. وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى نَفْيِ الْإِفْرَاطِ غَيْرُ قَوِيَّةٍ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ.
{ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: ثُمَّ يُرَدُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الرُّسُلُ إِلَى اللهِ الَّذِي هُوَ مَوْلَاهُمُ الْحَقُّ لِيُحَاسِبَهُمْ وَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى آيَةِ (الم السَّجْدَةِ) (32: 11) الَّتِي تَقَدَّمَتْ آنِفًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى: ثُمَّ يُرَدُّ أُولَئِكَ الرُّسُلُ إِلَى رَبِّهِمْ بَعْدَ إِتْمَامِ مَا وُكِّلَ إِلَيْهِمْ بِمَوْتِ جَمِيعِ النَّاسِ، فَيَمُوتُونَ هُمْ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مُخَالَفَتُهُ لِآيَةِ السَّجْدَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْبَشَرِ وَبَيَانِ الدَّيْنِ لَهُمْ وَإِقَامَةِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهَا أَنَّ الْحِسَابَ الَّذِي خُتِمَتْ بِذِكْرِهِ الْآيَةُ حِسَابُ الْبَشَرِ لَا حِسَابُ مَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ مَبَاحِثُ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ يَتَّضِحُ بِهَا مَا فِيهَا مِنَ الْبَلَاغَةِ.